محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
110
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
والثاني : أن اللّه تعالى أجلّ أقدار عباده المؤمنين ، فلم يجعل لهم الجزاء على طاعتهم في دار فانية ، منقضية ، منصرمة ، لأن كلّ ما يفنى وإن طالت مدته كلا شيء ، بل أعطاهم الخلود في النعيم ، والبقاء الدائم في الملك المقيم ، وناهيك به شرفا بتسميته إياهم بإسمه الكريم وهو « الحي الذي لا يموت » ، جاء في تفسير قوله تعالى : وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] أنه يرسل اللّه تعالى الملك إلى وليّه ، ويقول له : استأذن على عبدي ، فإن أذن لك فادخل ، وإلا فارجع فيستأذن عليه من سبعين حجابا ، ثم يدخل عليه ومعه كتاب من اللّه عزّ وجل عنوانه : « من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت » فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه : عبدي ، اشتقت إليك فزرني ، فيقول : هل جئت بالبراق « 1 » ؟ فيقول : نعم ، فيركب البراق ، فيغلب الشوق على قلبه ، فيحمله شوقه ، ويبقى البراق إلى أن يصل إلى بساط اللقاء . من وجد ثمرة عمله عاجلا ؛ فهو دليل على وجود القبول آجلا . ثمرة العمل : وجدان الحلاوة فيه والنعيم به ، ويتصور ذلك في أكثر الأعمال بالمواظبة عليه على حال تكرّه واستثقال له ، هذا هو غالب الأمر ، قال بعض العارفين : « ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة يحتاج إلى الصبر فيها ، فمن صبر على شدتها أفضى إلى الراحة والسهولة ، وإنما هي مجاهدة النفس ، ثم مخالفة الهوى ، ثم مكابدة في ترك الدنيا ، ثم اللذة والتنعم » . وقال عتبة الغلام ، رضي اللّه تعالى عنه : « كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة » . وقال ثابت البنّاني « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « كابدت القرآن عشرين سنة ، وتنعمت به عشرين سنة » . وقال بعض العلماء : « كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتلوه على أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم ، ثم رفعت إلى مقام فوقه وكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تصدق اللّه تعالى بمنزلة أخرى فأنا الآن كأني أسمعه من المتكلم به ، فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه » .
--> - الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 131 ) ، والحميدي في ( المسند 1133 ) ، والسيطوي في ( الدر المنثور 5 / 176 ) ، والبيهقي في ( الأسماء والصفات 208 ) . ( 1 ) البراق : ( في حديث المعراج ) دابة ركبها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء . ( 2 ) انظر ترجمته في تهذيب الكمال 3 / 223 .